وكالة أنباء الحوزة - في كلمةٍ ألقاها يوم الأحد (4 أكتوبر 2026م) خلال بحثه الخارج في فقه القضاء، تطرّق الأستاذ علي أكبر رشاد، متولّي مجمّع الإمام الرضا (عليه السلام) الحوزويّ ورئيس مجلس الحوزات العلميّة بمحافظة طهران، إلى خروج الولايات المتّحدة من العراق بعد نحو 22 عامًا من احتلالها وحضورها في هذا البلد، مستعرضًا العبر التاريخيّة لحرب السنوات الثماني المفروضة على إيران (1980- 1988م)، واحتلال العراق، وإخفاق الولايات المتّحدة في تحقيق أهدافها في المنطقة.
وأكّد قائلًا: إنّ خروج الولايات المتّحدة من العراق كان ثمرةً للمقاومة، لا المفاوضات أو المصالحة أو التنازل.
الحرب المفروضة.. درسٌ من دروس التاريخ المعاصر
وأشار الأستاذ رشاد إلى أنّ التطوّرات التي شهدها العراق خلال العقود الأخيرة يمكن أن تحمل دروسًا وعبرًا مهمّة للتاريخ، قائلًا: ومن أبرز هذه العبر ما يعود إلى مرحلة العقود الأربعة ونيّف الماضية؛ حين هاجم شخصٌ مغرورٌ ومخدوعٌ بنفسه دولةً مستقلّةً ومسلمةً كانت قد أنجزت ثورتها حديثًا وأعادت تشكيل نظام حكمها، في وقتٍ بدت فيه ظاهريًّا غير مستعدّةٍ بما يكفي للدفاع عن نفسها.
وأضاف: كان صدّام يتوهّم، في سذاجةٍ، أنّه يستطيع الوصول إلى طهران خلال ثلاثة أيّام والإطاحة بالنظام الإسلاميّ، وكان يحلم باحتلال خوزستان ونهب إيران.
وأشار إلى الدعم الشامل الذي حظي به نظام صدّام من جانب القوى العالميّة، قائلًا: لقد وقفت مختلف القوى الكبرى إلى جانب صدّام، من الولايات المتّحدة والدول الأوروبيّة في المعسكر الغربيّ، إلى الاتّحاد السوفياتيّ آنذاك في المعسكر الشرقيّ. ولم يقتصر هذا الدعم على الجوانب الدبلوماسيّة، بل امتدّ إلى المجال العسكريّ والتسليحيّ، حيث زُوّد صدّام بأسلحةٍ متطوّرةٍ، وأسلحة دمارٍ شاملٍ، وأسلحة غير تقليديّةٍ، إلى جانب ما تلقّاه من دعمٍ مادّيٍّ وماليٍّ.
الدفاع المقدّس؛ نموذجٌ للصمود بالاعتماد على الشعب
وأشار متولّي مجمّع الإمام الرضا (عليه السلام) الحوزويّ إلى انتصار الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة في حرب السنوات الثماني المفروضة، قائلًا: لقد خضنا ثماني سنواتٍ من الدفاع المستميت، وخرجنا من هذه الحرب المفروضة، لأوّل مرّةٍ خلال القرنين الأخيرين، منتصرين ولا مهزومين. فعلى مدى نحو مئتي عامٍ، كلّما هاجمت قوّةٌ خارجيّةٌ إيران انتزعت جزءًا من أراضيها، أمّا هذه المرّة فلم تُنتزع من أراضيها ولو شبرٌ واحدٌ.
واعتبر الإيمان والإسناد الشعبيّ من أبرز دروس الدفاع المقدس، قائلًا: إنّ الدولة التي تنبثق حكومتها من صميم الشعب، وتحظى بإسناده، وتعتمد على الإيمان والطاقات والقدرات الداخليّة، تستطيع، حتّى من دون أن تتلقّى أيّ دعمٍ من الدول الكبرى، وحتّى إذا كانت تفتقر أصلًا إلى الأسلحة الاستراتيجيّة والأسلحة ذات الأهميّة الحاسمة، أن تصمد في مواجهة عدوانٍ واسعٍ بفضل إيمان شعبها والإرادة الوطنيّة والقيادة الإلهيّة.
الاعتماد على القوى الخارجيّة؛ خطأٌ استراتيجيٌّ
وتناول رئيس مجلس الحوزات العلميّة بمحافظة طهران احتلال صدّام للكويت، قائلًا: بعدما تعرّض صدّام للهزيمة والاستنزاف في حربه مع إيران، تمكّن من احتلال بلده المجاور خلال يومٍ أو يومين، فيما فرّ أمراء ذلك البلد وغادروا أراضيه.
واعتبر من العبر المهمّة الأخرى لتطوّرات المنطقة اعتماد الحكومات والشعوب على القوى الأجنبيّة لتوفير الأمن، مؤكّدًا: والعبرة الأهمّ هي أن تجعل الحكومات والشعوب أمنها مرهونًا بقوّةٍ أجنبيّةٍ كالولايات المتّحدة الأمريكيّة.
ولفت إلى دوافع الولايات المتّحدة وراء وجودها العسكريّ في العراق، قائلًا: لقد عادت أمريكا إلى المنطقة والعراق طمعًا في السيطرة على النفط ومصادر الطاقة. ولم يتمكّن صدّام من مقاومة أمريكا؛ لأنّ الشعب لم يكن إلى جانبه، وانتهى به الأمر إلى أن أُلقي القبض عليه بتلك الحال المذلّة.
واستذكر ما نقله إليه أخوه الشهيد بشأن وضع صدّام بعد إلقاء القبض عليه، قائلًا: كان أخي يقول: «عندما أخرجوا صدّام، بكلّ ذلك الذلّ، من الحفرة التي كان مختبئًا فيها، ووضع أحد الجنود حذاءه على وجهه، أشفقتُ عليه فلم أكن أريد حتّى لعدوّي أن يُذلّ بهذه الصورة».
أمريكا دخلت العراق بذريعة توفير الأمن
ورفض الأستاذ رشاد ادعاء الولايات المتّحدة بأنّها جاءت إلى المنطقة لمساعدة شعوبها، قائلًا: ليس كلّ من دخل المنطقة دخلها شفقةً على أهلها. فقد جاءت الولايات المتّحدة، وما إن وضعت يدها على النفط حتى رسّخت وجودها هناك وواصلت بقاءها في المنطقة.
وأشار إلى مزاعم الولايات المتّحدة بشأن امتلاك العراق أسلحةً نوويّةً وأسلحة دمارٍ شاملٍ، قائلًا: زعمت الولايات المتّحدة أنّ صدّام يمتلك أسلحةً نوويّةً، وأنّها تتوجّه إلى العراق لتدميرها، في حين أنّ هذا الادّعاء لم يكن له أساسٌ من الصحّة أصلًا، بل وحتّى لو كانت هناك أسلحةٌ من هذا القبيل، فإنّها لم تتمكّن من العثور عليها وتدميرها.
وأضاف: اتّخذت الولايات المتّحدة هذه الذريعة وسيلةً للهيمنة على موارد الطاقة الوفيرة في المنطقة، وقد حقّقت ما أرادت.
المقاومة العراقيّة أجبرت الولايات المتّحدة على الخروج
ولفت متولّي مجمّع الإمام الرضا (عليه السلام) الحوزويّ إلى التناقض بين ادعاءات الولايات المتّحدة بشأن قوّتها العظمى والوقائع الميدانيّة، قائلًا: في الوقت الذي تلوّح فيه الولايات المتّحدة بسطوتها، وتهدّد دولًا عدّةً بالاجتياح والاحتلال، نراها تخلي منطقةً أخرى سبق أن احتلّتها.
وردًّا على سؤالٍ بشأن الجهة التي حالت دون استمرار الوجود الأمريكيّ في العراق، قال: إنّ أمريكا لم تعجز عن الحفاظ على وجودها في العراق بسبب موقف الحكومة العراقيّة، ولا حتّى بسبب الجيش العراقيّ الحاليّ، وإنّما تكبّدت هذه الهزيمة على يد مقاومة الحشد الشعبيّ.
وقال مؤكّدًا: لقد هُزم الأمريكيّون أمام جبهة المقاومة العراقيّة، واضطرّوا إلى إخلاء المنطقة.
وأشار إلى فصائل المقاومة العراقيّة وروابطها مع تيّار المقاومة في المنطقة والعالم، قائلًا: تتكوّن قوّة المقاومة العراقيّة من عدّة فصائل، يمكن النظر إليها مجتمعةً بوصفها جبهةً واحدةً؛ جبهةً تضمّ مختلف قوى المقاومة في المنطقة، بل وتمتدّ إلى نطاقٍ عالميٍّ، وهي اليوم أكثر اتّحادًا وتماسكًا وانسجامًا.
الأمن لا يتحقّق في ظلّ الحماية الأمريكيّة
ولفت رئيس مجلس الحوزات العلميّة بمحافظة طهران إلى الرسالة التي تحملها هذه التطوّرات لدول المنطقة، قائلًا: إنّ هذه الدول التي لا تحمل من صفة الدولة إلّا اسمها ينبغي أن تدرك أنّ الأمن لا يتحقّق في ظلّ الحماية الأمريكيّة.
وأضاف: بقيت الولايات المتّحدة 22 عامًا في العراق، ولم تخلّف وراءها سوى نهب النفط وسقوط أعداد كبيرة من القتلى. هذه هي نتيجة الأمن الذي تجلبه أمريكا لدول المنطقة. فإنّي آمل أن تكون دول المنطقة قد أدركت هذه الحقيقة واتّعظت بها.
خروج الولايات المتّحدة لم يكن ثمرة المفاوضات والمصالحة
وشدّد الأستاذ رشاد على أنّ الانتصار لا يتحقّق بالاعتماد على السلاح وحده ولا بالمفاوضات، مؤكّدًا: إنّ خروج أمريكا من العراق لم يتحقّق بالمفاوضات، ولم يكن نتيجةً للتنازل أو الاستسلام أو المصالحة، بل كانت المقاومة هي التي أجبرت أمريكا على الخروج.
وأضاف: لقد وقفت عدّة فصائل مؤمنةٍ ومجاهدةٍ، لا تمتلك أسلحة رئيسةً أو استراتيجيّةً، في وجه قوّةٍ عظمى تعدّ نفسها القوّة المتفوّقة على وجه الأرض، وتمكّنت هذه المجموعة المؤمنة بمقاومتها من إخراج الولايات المتّحدة من بلدها.
لا ينبغي تحويل المفاوضات إلى استراتيجية أساسيّة
ودعا متولّي مجمّع الإمام الرضا (عليه السلام) الحوزويّ بعض المسؤولين في البلاد إلى استخلاص العبرة من التجربة العراقيّة، قائلًا: ينبغي أن تكون هذه المرحلة من تطوّرات العراق عبرةً لبعض مسؤولينا أيضًا، كيلا يفرطوا في الرهان على المفاوضات والحوار، ولا يبالغوا في الترويج لهما.
وتابع: لسنا نقول إنّ المفاوضات ممنوعةٌ مطلقًا، لكن لا ينبغي التعويل عليها. فهذه المفاوضات ليست متكافئةً حقًا، إذ يسعى أحد الطرفين إلى فرض إرادته على الآخر.
وأضاف: حين تجلسون إلى طاولة المفاوضات وتظنّون أن الطرف المقابل يعاملكم بوصفكم طرفًا مستقلًّا ومتكافئًا، بينما هو لا يعترف بكم أصلًا طرفًا في التفاوض، فلا يمكن التعويل على نتائج هذه المفاوضات.
أمريكا لم تلتزم بتعهّداتها
واستحضر رئيس مجلس الحوزات العلميّة بمحافظة طهران سجلّ الولايات المتّحدة في نقض تعهّداتها واتّفاقاتها، متسائلًا: كم مرّةً ينبغي للولايات المتّحدة أن تنقض تعهّداتها ومواثيقها، حتّى يدرك البعض حقيقة سياستها ونهجها؟ وهل أوفت حتّى مرّةً واحدةً بتعهّداتها؟
وأضاف: منذ ما قبل انتصار الثورة الإسلاميّة، مرورًا بالاتّفاقات والمواثيق المرتبطة بقضيّة وكر التجسّس واتّفاق الجزائر، وصولًا إلى آخر تجربةٍ شهدناها هذا العام، لم نلقَ من الولايات المتّحدة سوى نقض العهود والتنصّل من الالتزامات.
وشدّد على أنّ المسألة الأساسيّة لا تقتصر على بنود الاتّفاقات، قائلًا: قد يبدو على الورق أنّ هناك أربعة بنود لمصلحة الطرف المقابل وعشرة بنود لمصلحتنا، لكنّ المشكلة تكمن في أنّ الطرف المقابل لا يقبل ذلك الورق بالمعنى نفسه الذي نتصوّره.
وانتقد إكثار بعض المسؤولين من استخدام مصطلح "مذكّرة التفاهم"، قائلًا: عندما لا يقبل الطرف المقابل التزامًا ما، فلا مجال للحديث عن التفاهم. فلا ينبغي للمسؤولين أن يواصلوا الحديث عن مذكّرة التفاهم وعن موضوعاتٍ لم تدخل أصلًا في إطار التفاهم.
التكنولوجيا النوويّة تتجاوز البعد التسليحيّ
وفي جانب آخرٍ من حديثه، تطرق الأستاذ رشاد إلى بعض الآراء التي تدعو إلى التخلّي عن التكنولوجيا النوويّة للحيلولة دون اندلاع الحرب، قائلًا: نسمع من حينٍ إلى آخر من يقول: إذا كانت القضيّة النوويّة أو ما يرتبط بها ذريعةً لشنّ الحرب، ونحن لا نريد خوض الحرب، فلماذا لا نتخلّى عنها ونضعها جانبًا؟
وشدّد على ضرورة إدراك أهميّة التكنولوجيا النوويّة، قائلًا: إنّ التكنولوجيا النوويّة ليست سلاحًا فحسب، فسلاحنا الأكثر تعقيدًا هو إيماننا. نحن لا نحتاج إلى السلاح النوويّ، لكنّ التكنولوجيا النوويّة مسألةٌ أخرى، ولن نتخلّى عنها.
وأضاف: إنّ التكنولوجيا النوويّة اليوم تعني الزراعة والصناعة والدواء والعلاج والتقنيّات المتطوّرة، وقد أصبحت في عالمنا المعاصر رمزًا ومظهرًا وقمّةً وذروةً للتقدّم لدى أيّ دولةٍ وحضارةٍ في العالم.
وتابع: أصبحت التكنولوجيا النوويّة اليوم أحد مؤشّرات التقدّم العلميّ والتقنيّ للدول، في حين أنّ أعداء الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة لا يريدون لها أن تحقّق مزيدًا من التقدّم العلميّ والتقنيّ.
خروج الولايات المتّحدة من العراق؛ بداية الخروج من المنطقة
وأعرب الأستاذ رشاد عن ارتياحه لخروج الولايات المتّحدة من العراق، قائلًا: يسعدنا كثيرًا أن تغادر الولايات المتّحدة المنطقة اليوم، رغم ما تبديه من غرورٍ واستعلاءٍ وثقةٍ مفرطةٍ بقوّتها.
واعتبر هذا الحدث بدايةً لخروج الولايات المتّحدة من منطقة غرب آسيا، وقال: نأمل أن يستمرّ هذا المسار في سائر المناطق المحتلّة في العالم أيضًا.
وأضاف: إن شاء الله، سنشهد في المستقبل القريب اضطرار الولايات المتّحدة إلى مغادرة المنطقة برمّتها؛ إذ لم تعد تجد فيها أمنًا أو استقرارًا.
وتابع قائلًا: إنّ القوّة التي دخلت المنطقة بذريعة توفير الأمن لها، باتت اليوم تعاني انعدام الأمن، وأصبحت مضطرّةً إلى بذل الجهود للدفاع عن نفسها.
وفي ختام حديثه أعرب الأستاذ رشاد عن أمله في أن يكون خروج أمريكا من العراق نهايةً لاحتلال هذا البلد، وبدايةً لتحرّر المنطقة واستقلالها.
لمراجعة التقرير باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.
المحرّر: حسن رحمانيّ
المصدر: وكالة أنباء الحوزة





تعليقك